السيد الخوئي

339

غاية المأمول

في مورد الكلام لعدم القدرة على كليهما معا ، فلا بدّ من تقييد وجوب كلّ منهما بصورة ترك الآخر ، وحينئذ فيتخيّر فيما يفعل من الواجبين وما يتركه ، ومقامنا من هذا القبيل إذ يدور الأمر بين عدم شمول أدلّة الأصول للمقام كليّة للمانع الثبوتي ، وبين إجراء أدلّة الأصول في أحدهما عند ترك الآخر ، إذ به يرتفع المحذور الثبوتي وهو الترخيص في المعصية المعلومة ، وحيث إنّ الضرورة تقدّر بقدرها فلا بدّ من تقييد إطلاق أدلّة الأصول بما إذا لم يفعل الآخر بأن لم يشرب الإناء الثاني أصلا فهنا يجري الأصل في الإناء الأوّل . وهذه شبهة عويصة . وقد أجاب الميرزا قدّس سرّه بأنّ إطلاق أدلّة الأصول لكلا الفردين مستحيل ، فإذا كان الإطلاق مستحيلا فالتقييد أيضا مستحيل ؛ لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة « 1 » . وقد عرفت غير مرّة بأنّ التقابل بينهما في مرحلة الثبوت الّذي هو محلّ الكلام تقابل الإيجاب والسلب الّذي يكون انتفاء أحد الضدّين مقتضيا لثبوت ضدّه ، نعم هما في مرحلة الإثبات متقابلان تقابل العدم والملكة كما ذكره قدّس سرّه . ثمّ لو سلّمنا كون التقابل في مرحلة الثبوت أيضا كان من تقابل العدم والملكة إلّا أنّ استحالة أحد المتقابلين بهذا التقابل لا يوجب استحالة الآخر بل يوجب ضروريّة الآخر ، ونظرنا لذلك بالجهل والعلم فإنّ استحالة الجهل في ذات اللّه تعالى توجب ضروريّة العلم ، وكذلك الفقر والغنى فإنّ استحالة الغنى في العبد تستدعي ضروريّة الفقر ، فهذان مع كون تقابلهما تقابل عدم وملكة إلّا أنّ استحالة أحدهما لا تستدعي إلّا ضرورية الآخر ، واستحالة الفقر في ذاته تعالى تستدعي ضروريّة الآخر وهو الغنى فيه تعالى .

--> ( 1 ) أجود التقريرات 3 : 421 .